23/01/2010 16:48

   
 
 

 

أهداف ومرامي الإصلاح الجبائي المحلي الجديد

(بقلم المختار لشهب رئيس مصلحة الممتلكات والشؤون
القانونية) (pdf)

المطلب الثالث: تأهيل الإدارة الجبائية المحلية

إذا كان الإصلاح الجبائي المحلي قد حرص على تبسيط النظام الجبائي ومطابقته لإطار اللامركزية وملائمته مع نظام جبايات الدولة. فإن تطبيق هذا الإصلاح بالكيفية التي تضمن نجاحه وتمكن من بلوغ الأهداف المرسومة له يظل رهينا بالتدابير الإجرائية التي يتعين اتخاذها في مجال توفير الظروف الملائمة وكذا الوسائل الضرورية لتطبيقه.

وتتجلى مختلف التدابير التي يمكن اتخاذها في هذا المجال في تأهيل المصالح الجبائية المحلية وإعطاء العناية الكاملة للعنصر البشري الذي يعتبر المحرك الأساسي لدواليب الإدارة والفاعل المؤثر على مستوى مردوديتها.

 الفرع الأول: إعادة هيكلة المصالح الجبائية

لقد نصت المادة 167 من القانون 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات المحلية أن مصطلح الإدارة يقصد به في هذا القانون:

1- المصالح التابعة لمديرية الضرائب بالنسبة للرسم المهني ورسم السكن ورسم الخدمات الجماعية.

2- المصالح الجبائية التابعة للجماعات المحلية بالنسبة لباقي الرسوم المذكورة في القانون السالف الذكر.

إلا أننا سنكتفي بتناول المصالح الجبائية التابعة للجماعات المحلية على اعتبار أن هذه المصالح هي التي تحتاج إلى إعادة الهيكلة والتي حاول القانون الجبائي المحلي رقم 47.06 من خلال بعض بنوده سرد بعض المصالح التي يجب أن تتكون منها وكالة المداخيل الجماعية كمصلحة الوعاء، ومصلحة الاستخلاص التي يرأسها وكيل المداخيل.

إذن من أجل تطبيق سليم وناجح للقانون الجبائي المحلي فإنه لابد من إعادة النظر في منظومة الإدارة الجبائية المحلية وذلك من خلال إعادة هيكلة للإدارة تقوم على أساس توزيع المهام بين مختلف المصالح التابعة لها ( مصلحة الوعاء –مصلحة الاستخلاص –ثم مصلحة المنازعات). كما يتضح من خلال التصميم الهيكلي الموجود بالصفحة الموالية حيث نلاحظ أن التسمية التي أعطيت للقسم الذي يعنى بجبايات الجماعات المحلية هو "الإدارة الجبائية" عوض تسمية "قسم تنمية الموارد المالية" سابقا. وأصبح هذا القسم يضم 3 مصالح هي مصلحة التحصيل أو الاستخلاص ومصلحة الوعاء ثم مصلحة المراقبة والمنازعات.

وتأتي أهمية هذا القسم من حيث كونه أصبح لأول مرة يشمل عدة مصالح تتولى من حيث وظائفها القيام بكل من عمليات ربط الضريبة الجماعية والتفتيش والمراقبة والمحاسبة. كما أن الأهمية المالية لهذا القسم تتجلى في كونه يتوخى عقلنة وترشيد عمليات التحصيل المالي لمجموع الحقوق والواجبات المستحقة للجماعات المحلية وهيأتها. وبذلك يمكن القول أن هذا المشروع الهيكلي لقسم الجبايات المحلية يهدف إلى تحسين مردودية هذا القسم ومسايرة مختلف الاختصاصات التي جاء بها القانون الجبائي 47.06.

لكن في رأيينا فإن أي إصلاح هيكلي للإدارة الجبائية الجماعية يجب أن يصاحبه دعم هذه المصالح الجبائية بوسائل العمل الضرورية سواء تعلق الأمر بالآليات أو التجهيز بالإعلاميات للمساعدة على التأهيل في هذا القطاع والإسهام بشكل كبير في الرفع من مستوى هذه المصالح، حتى تتوجه شيئا فشيئا إلى تحسين صورتها واحترام الضمانات الممنوحة للملزمين. وهذا لن يتحقق إلا بالتخلي عن صورة الإدارة الحاكمة أو إدارة "المخزن" لتحل محلها إدارة المرفق العام التي تتعامل مع الملزم كزبون وشريك لا غنى عنه في النظام الجبائي برمته. وأن أي رفض لسياسة التواصل والانفتاح وتحسين علاقات الإدارة مع المتعاملين معها (الملزمين) هو في نفس الوقت رفض لأسلوبي الشفافية والوضوح وتأكيد على التشبت بالارتجال في العمل والتخوف من أساليب التدبير الحديث.وفي هذا السياق يمكن القول ان هيكلة الادارة قد تواجهمقاومة شديدة سواء من طرف الموظفين أنفسهم أو من طرف البيئة المحيطة بها لأنها قضية تثير عدة تحديات مثل تضارب المصالخ والقوى.

 الفرع الثاني: تأهيل الموارد البشرية العاملة بالإدارة الجبائية المحلية

مما لاشك فيه فإن الإدارة الجبائية المحلية أصبحت مطالبة في ظل القانون الجبائي الجديد 47.06 ببذل المزيد من الجهد من أجل تصفية وتحصيل الرسوم المحلية وتحسين وضعية الباقي استخلاصه. ومن أجل القيام بهذا الدور المنوط بها على أحسن وجه فقد بات من اللازم مد الإدارة الجبائية المحلية بالوسائل البشرية الكافية والقيام بتعيين العدد الكبير من الطاقات الشابة والمتخصصة بمختلف الأقسام والمصالح الجبائية لإعطائها نفسا جديدا. وتمكينها من تحقيق قفزة نوعية في مجال التحصيل والإسهام بشكل كبير في الرفع من مستوى هذه المصالح , لأن أي عملية تستهدف تحديث الادارة وعصرنتها تقتضي استحضار تلك الرافعة القوية المتمثلة في الموارد البشرية .

ولعل تدبير الموارد البشرية العاملة بالإدارة الجبائية المحلية لا يمكن فصله عن تدبير الموظفين الجماعيين بصفة عامة. لذلك سنحاول معالجة مسألة تأهيل هذه الفئة من الموارد البشرية من خلال عنصرين أساسين، إصلاح نظام الوظيفة العمومية المحلية (فقرة أولى) وتكوين وتحفيز الموظفين العاملين بالإدارة الجبائية المحلية (فقرة ثانية).

 الفقرة الأولى: ضرورة إصلاح نظام الوظيفة العمومية المحلية

ان ممارسة الجماعات لاختصاصاتها يحتاج أيضا بالإضافة إلى الموارد المالية إلى وجود تدبير وتنظيم للمصالح الجماعية وانسجام بينها وبين حاجيات السكان المحليين سواء كانوا ملزمين, مرتفقين متعاقدين أو متعاملين مع الإدارة الجماعية. غير أن الموارد البشرية على أهميتها في دعم اللامركزية إلا أن توزيعها يتسم حاليا باللا عدل بين الجماعات المحلية، كما أنها غير مستغلة الاستغلال الأمثل لغلبة الطابع التسييسي على الوظيفة العمومية المحلية. وغياب التكوين المستمر والمناسب وعدم الأخذ بأساليب التحديث والعصرنة عبر إدخال الآليات الفنية وبالأخص نظام المعلوميات.

وبناءا على ما سبق فقد بات من اللازم بدل المزيد من المجهودات من أجل عصرنة الإدارة المحلية بصفة عامة وبخاصة الإدارة الجبائية. والعمل على تحسين فعالية ومردوديةهذه الإدارة وضمان استمرار خدماتها العمومية على أحسن وجه. إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو مدى ملائمة النصوص القانونية المنظمة للوظيفة العمومية لواقع الإدارة المحلية بالمغرب؟

لذلك سوف نتطرق إلى ضرورة تعديل النظام الأساسي الخاص بموظفي الجماعات المحدث بموجب مرسوم 27 شتنبر1977 الذي لم يجعل الوظيفة المحلية تتميز بخصوصية منفردة بل على العكس من ذلك أخضعها لنفس القواعد والمبادئ القانونية المنظمة للوظيفة العمومية. وقد اعتبر بعض فقهاء القانون الإداري مساواة وضعية الموظفين الجماعيين مع باقي موظفي الدولة خطوة تتسم بنوع من الحكمة والتبصر بحيث تخول لهم نفس الحقوق وتقيهم من الانعكاسات السلبية التي نفرزها التقلبات السياسية للمجالس الجماعية.

ورغم هذه الضمانات فقد أبانت تبعية الوظيفة المحلية لنفس القواعد المنظمة للوظيفة العمومية عن عدة سلبيات انعكست على مسار الحياة الوظيفية لكل الموظفين الجماعيين وذلك راجع بالأساس إلى اختلاف واقع كل من الوظيفتين الجماعية والوطنية.

وتتمظهر هذه السلبيات في عدم تنظيم الحياة الوظيفية للموظفين الجماعيين بطريقة تضمن الحركية وإمكانية الترقي بالنسبة للأعوان والأطر المتوسطة العليا الشيء الذي يجعلها أقل جاذبية لافتقارها لعاملي التحفيز والارتقاء.

 الفقرة الثانية: تكوين الموظفين الجماعيين

من القضايا الأساسية المرتبطة بتدبير الموارد البشرية يحتل التكوين مكانة متميزة من زاوية إثارته لنقاش محتدم حول أهدافه ومضامينه. وكذا طرق تلقينه. فالكل يتفق على أن التكوين هو الوسيلة الأمثل لإيجاد الحلول لمجموعة من الإشكاليات المرتبطة بتنظيم وتحديث وتنمية القدرات المهنية للموظفين لتأهيلهم قصد التكيف مع التحولات التي يعرفها مجال التدبير الإداري.

والجماعات المحلية هي أكثر الهيئات العمومية اهتماما بهذا الجانب بحكم حاجياتها المتعددة دائما للتوفر على موظفين قادرين على التواصل مع المواطنين وعلى رفع التحديات المرتبطة بالمساهمة الفعالة في استنهاض مقومات التنمية المحلية، خصوصا وأن أعداد الموظفين العاملين بالجماعات المحلية تستنزف تقريبا ثلثي الغلاف المالي المرصود لهذه الجماعات.

ومن هذا المنطلق فقد بات من اللازم الاهتمام بتكوين وتأطير الموظفين الجماعيين بل تحديد مضامين التكوين الواجب إعطاؤه لهؤلاء من أجل مدهم بمعلومات ومهارات جديدة. وذلك قصد تحقيق هدف معين يتمثل في عملية تعديل إيجابي ذات اتجاهات خاصة تتناول سلوك الموظف من الناحية المهنية والوظيفية وذلك لاكتساب المعارف والمهارات والخبرات التي يحتاج إليها. وتحصيل المعلومات التي يفتقدها من أجل رفع مستوى كفاءته في الأداء.

إلا أن كل ذلك يبقى رهينا بنوعية الحوافز التي تضعها الإدارة الجماعية والإدارة الجبائية المحلية على الخصوص رهن إشارة الموظفين العاملين في الحقل الجبائي المحلي. وقد حظي موضوع الحوافز باهتمام علماء السلوك الإنساني والإداري ويعود ذلك إلى أن الحوافز تعد أهم المتغيرات المستقلة للدافعية بانعكاساتها وبعلاقاتها الإيجابية على الكفاءة الإنتاجية والنشاط الإداري،ونشير في هذا الصدد الى أن المنطلقات الاقتصادية المتبناة في تعريف معوقاة الحكامة المالية الجيدة غالبا ما تستصغر البعد الانساني ودوره في الترشيد الاداري والمالي. لأن الاهتمام بحفز الموظفين تفرضه الرغبة في تحسين الأداء الوظيفي ورفع الكفاية الإنتاجية بما يكفل تحقيق الأهداف المتوخاة بحيث أن التحفيز المادي والمعنوي لهؤلاء الموظفين من شانه أن يشعرهم أن مسألة التنسيق الأفقي المباشر بين الأنشطة والمصالح بدل التنسيق العمودي التسلسلي قد تساهم في تسريع مسلسل القرار وجعلهم أكثر مسؤولية من السابق. كما أن التحفيز يؤدي الى التزام الموظف وتفانيه في عمله مما يساعد على الرفع من المردودية والكفاءة. إن الموظف أو العون العمومي يجب أن يسخر كاستثمار حقيقي منتج وتتولد عنه قيمة مضافة لصالح العمل الإداري، وهذا لن يتم إلا بالتكوين الإجباري واستكمال التكوين.

 

        لتحميل المقال كاملا (PDF)